لغة الضاد تتعرض للضرب والجرح في بلاد الجرمان


مؤخراً، وأنا أتصفح المواقع الإلكترونية في الشبكة العنكبوتية، استوقفتني جملة لمكتب من مكاتب الترجمة التي يعج بها الإنترنت، والتي تدعي زوراً وبهتاناً بأنها تستطيع الترجمة من مئات اللغات وإليها. وبما أن الضحك يطيل العمر، فإني لن أبخل عن القارئ بهذه الجملة/النكتة حتى يضحك كما ضحكت، ويلقي نظرة على ما يحدث وراء الكواليس في هذا العالم البئيس الذي أضحى فيه الربح المادي هدفاً أسمى، وأصبحت أخلاقيات المهنة تضرب عرض الحائط في سبيل المعبود الجديد، درهماً كان أو دولاراً.

أحياناً، تكفي كلمة واحدة لإحداث كارثة كبرى. واﻷخطر من ذلك أن تتحول الكارثة اللغوية إلى كارثة إنسانية، حين يؤدي سوء الفهم وعدم التمكن من اللغة  إلى إزهاق أرواح البشر أو تعطيل اﻵلات والمنشآت. ومن حسن حظ المكتب المذكور أن الحماقة اللغوية التي ارتكبها ليست من العيار الثقيل، لكنها كافية لإلقاء  الضوء على مدى فهم مسيريه للغة العربية وإجادتهم لها.
الاسم الشخصي لمكتب الترجمة. تلك هي الجملة التي كتبت بخطوط منمقة على الصفحة الرسمية للموقع بدون مراجعة ولا تفكير. منذ متى كان للمكاتب أسماء شخصية؟ وإن كان اﻷمر كذلك، فَلِمَ لا تُذكر أيضاً أسماؤها العائلية؟ عندما يرى الزبون أحرفاً عربية لا يفهم معناها فإنه يعتقد بأن مكتباً كهذا قادر بالفعل على الترجمة إلى اللغة العربية ومراجعة المضامين المترجمة بشكل مثالي. لكن ما يجهله الزبون هو أن مثل هذه المكاتب تبحث عن أرخص "اﻷيادي والعقول" العاملة لإنجاز مشاريع الترجمة، ﻷن هاجسها اﻷول واﻷخير يبقى هو توسيع هامش الربح.
مشكلة الوكلاء والوسطاء ليست حكراً على مجال الترجمة، لكن العواقب المترتبة عن تغلغل الوسطاء في ميدان كهذا تبقى وخيمة بكل المقاييس. وما من قطاع يدخله السماسرة إلا ونخره الفساد كما ينخر السوس اﻷسنان. فتكثر الحيل والألاعيب لاستغلال المنتجين، وتختل اﻷسعار جراء اتساع دائرة اﻷطراف المشاركة، فيجد المرء نفسه أمام جحافل من مدراء المشاريع وعملاء التسويق والدعاية ومسؤولي تحسين المواقع لمحركات البحث. وأمام هذا الوضع، تضيع الترجمة في بحر من التفاصيل المادية المحضة، ولا تطفو على السطح إلا بعد أن يكون كل طرف من اﻷطراف السابقة قد استولى على نصيبه من الكعكة. وتاريخ العصر الحديث حافل باﻷمثلة التي اكتسح فيها الوسطاء قطاعات اقتصادية معينة كالجراد فلم يتركوا فيها اﻷخضر ولا اليابس. ومن المتاجرين من اشتم رائحة الربح السريع في الميدان، فأسس شركة لخدمات الترجمة الطبية بين عشية وضحاها بعد أن كان بائعاً لقطع غيار السيارات، ومنهم من مزج بين الخدمات اللوجستية وخدمات الترجمة، ويتحدث إليك في الهاتف كما لو كان بائعاً للمكنسات الكهربائية، ومنهم من تخصص في الضرب تحت الحزام ودس المكائد للمنافسين، فتجده يمدحك ويبتسم في وجهك ثم يطعنك من الخلف بمجرد أن تدير ظهرك. لذا، فإني أنصح المبتدأ في الميدان أن يتوخى الحذر. وقديماً قالت العرب: إذا رأيت أنياب الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسم. أما المتطفلون على لغة الضاد، فلا يسعني إلا أن أنصحهم بممارسة أنشطة أخرى أقل تكلفة وتعقيداً، كالتزحلق على الجليد، أو ترويض اﻷرانب، وما إلى ذلك من الهوايات المسلية اﻷخرى.

Einen Kommentar verfassen

Als Gast kommentieren

0 / 1004 Zeichen Beschränkung
Dein Text sollte zwischen 1003-1004 Zeichen lang sein
Nutzungsbedingungen.
  • Keine Kommentare gefunden